صديق الحسيني القنوجي البخاري

525

فتح البيان في مقاصد القرآن

المعاني وبفتحها في الأعيان وقد سبق تحقيقه ، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال ، ولهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق فقال : أُولئِكَ يعني من هذه صفته فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ عن طريق الحق ، أي بالغ في ذلك غاية الغايات القاصية أو ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل ويبعد عن الطريق مكانا قريبا وقد يضل بعيدا ، والبعد وإن كان من صفة الضال لكنه يجوز وصف الضلال به مجازا لقصد المبالغة كجد جدّه وداهية دهياء . ثم لما منّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر من كمال تلك النعمة أن ذلك المرسل بلسان قومه فقال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا متلبسا بِلِسانِ قَوْمِهِ متكلما بلغتهم لأنه إذا كان كذلك فهم عنه المرسل إليهم ما يقوله لهم ويدعوهم إليه وسهل عليهم ذلك بخلاف ما لو كان بلسان غيرهم فإنهم لا يدرون ما يقول ولا يفهمون ما يخاطبهم به حتى يتعلموا ذلك اللسان دهرا طويلا ومع ذلك فلا بدّ أن يصعب عليهم فهم ذلك بعض صعوبة ، ولهذا علّل سبحانه ما امتن به على العباد بقوله : لِيُبَيِّنَ أي ليوضح لَهُمْ ما أمرهم اللّه به من الشريعة التي شرعها لهم ووحد اللسان لأن المراد بها اللغة . عن ابن عباس أن اللّه فضل محمدا على أهل السماء وعلى الأنبياء . قيل ما فضله على أهل السماء ؟ قال : إن اللّه قال لأهل السماء وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 29 ] وقال لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر . فكتب له براءة من النار . قيل فما فضله على الأنبياء ؟ قال : إن اللّه يقول وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ وقال لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ فأرسله إلى الإنس والجن . وقال عثمان بن عفان : نزل القرآن بلسان قريش . وعن مجاهد مثله ، وقد قيل في هذه الآية إشكال لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أرسل إلى الناس جميعا بل إلى الجن والإنس ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة وأجيب بأنه صلى اللّه عليه وسلم وإن كان مرسلا إلى الثقلين كما مرّ ، لكن لما كان قومه العرب وكانوا أخص به وأقرب إليه ، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم ويوضحونه حتى يصير فاهما له كفهمهم إياه . ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم وبينه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكل قوم بلسانه ، لكان ذلك مظنة للاختلاف ، وفتحا لباب التنازع ، لأن كل أمة قد تدعي من المعاني في لسانها ما لا يعرفه غيرها ، وربما كان ذلك أيضا مفضيا إلى التحريف والتصحيف بسبب الدعاوى الباطلة التي يقع فيها المتعصبون .